زينب النفزاوية .. تزوجها مل مرابطي وصل الى سدة الحكم .. وفق شرطها

زينب النفزاوية .. تزوجها مل مرابطي وصل الى سدة الحكم .. وفق شرطها

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 15 أكتوبر 2014 م على الساعة 0:49

‬قال الملك الراحل الحسن الثاني بالحرف، ردا على سؤال تجرأت على طرحه حينئذ صحافية فرنسية، استفسرت عن سر عدم وجود ملكة ترث العرش العلوي، وعدم ظهور زوجة الملك: «السبب بسيط، وهو أنه منذ أن أصبح المغرب مغربا، لم تكن هناك ملكة، وأعتقد أن كل أسلافنا السابقين اختاروا في هذا الإطار اختيارا حكيما جدا».

وأضاف الحسن الثاني في معرض جوابه أن «الله تعالى جنبنا أن تحكمنا نساء ملكات، والنساء لم يكن حكمهن سديدا عبر العالم.. فإذن، هذه هي الأسباب التاريخية».

ومن جهة أخرى، يضيف الحسن الثاني، الذي لم يُظهر قط زوجته، بخلاف الملك محمد السادس، الذي منح زوجته لقب أميرة، مانحا إياها مساحة في تدبير الشأن العام، قائلا: «عندما أقدم والدة الأمراء، أقدمها على أساس أنها أميرة، لأنها تحمل لقب أميرة وليس لقب ملكة، وليس لها أي نشاط سياسي، كما هو حال زوجة إدريس الأول، مرورا بكل أسلافنا، فإني أقدمها بشكل عادي، لأني أعتقد أنها ذات مستوى تربوي عال، إلا أنها ليست ملكة».
تقرأ «فبراير.كوم» في كتاب «النساء السياسيات في المغرب»، بعضا من أوراقه المثيرة، حيث اعتمد على كتب ومخطوطات ونفائس تختزنها مكاتب الجامعات المغربية والمكتبة الوطنية، وفيه تؤكد المؤرخة وأستاذة العلوم السياسية، أوسير كلاسيي، بالحجة والبرهان، أن ثمة ملكات حكمن بالأمس المغرب بقوة القانون، وهذا حال الملكة تينهنان، أو ملكات بالفعل، وهذا شأن زينب النفزاوية، أو سلطانات حكمن عبر أزواجهن أو لعبن دور مستشارات أو عالمات أو «قائدات»…

هذا الكتاب، الذي أصدرته دار النشر «طارق» نهاية نونبر 2013، يتجاوز حكايات ألف ليلة وليلة، وينفض الغبار عن نساء نسيهن أو بالأحرى تناساهن التاريخ الرسمي.
فبعيدا عن الأحزمة الذهبية المرصعة بالأحجار الكريمة لزوجات الملوك أو مستشارات السلاطين أو السلطانات النادرات، جرت العادة على أن تركز الاستيهامات والتمثلات على جمال النساء، وتسلط الضوء على زينتهن والأقراط والعقود المرصعة بحبات اللؤلؤ التي تزين أعناقهن، لكن ثمة ذكاء ودهاء سياسيين تميزت به بعض النساء، لا يقل عن الذكاء والدهاء السياسي للملوك والأمراء والحاكمين عموما. لائحة أسماء النساء التي وردت في الكتاب طويلة. فثمة أكثر من قصة وأزيد من رواية عن زوجة يوسف بن تاشفين، أو وزيرات من عيار خناتة بنت بكار، أو قائدات كحاكمة تطوان، أو وصيات كصُبح، أو وسيطات من أمثال للا عزيزة السكساوية، أو محاربات كشمس الزاوية، أو مستشارات ككنزة، أو سفيرات في بلدان أوربية أو شرق أوسطية، كسحابة الرحمانية، أو مرممات لمنشآت عمومية كبرى، كعودة الوزكيطية، أو شاعرات البلاط، وهذا حال حفصة الركونية، أو متآمرات طاغيات كزيدانة، أو بطلات، بصمت أسماؤهن نضالات الفلاحين ضد السلطة المركزية، كخربوشة، أو فدائيات كافحن ضد المستعمر كتاوكارت، فيما تحضر أسماء مؤسسات الدولة الحديثة من عيار مليكة الفاسي. الكتاب إبحار في أسماء سياسيات خرس التاريخ عن ذكرهن.

لعل بعض المغاربة اكتشفوا الزعيمة الأمازيغية كاهنة بفضل جهود النشطاء الأمازيغ، لكن كم منا يعرف تينهنان، زعيمة قبائل الطوارق؟ وهل يعرف هذا الجيل كنزة المرضية، خادمة إدريس الأول، التي بفضلها لم يتمكن الخليفة العباسي هارون الرشيد من القضاء على الأدارسة؟

وهل أنصف التاريخ المغربي زينب النفزاوية، زوجة يوسف بن تاشفين، والملكة الحقيقية للدولة المرابطية؟ والقائدة شمسي الزواوية في مرحلة تدهور المرينيين؟ والسيدة الحرة حاكمة تطوان؟ والأميرة السعدية مسعودة الوزقيطية؟ أو السلطانتين زيدانة وخناتة بنت بكار، وكلتاهما كانتا زوجتي المولى إسماعيل؟ ومن يعرف السفيرة الضاوية التي سطع نجمها في القرن الثامن عشر؟ وقائدات الثورات أمثال رقية بنت حديدو وخربوشة المسفيوية…

يصعب علينا إدراج كل الأسماء التي وقفت عندها الكاتبة، التي ذكرت بعضها من باب رسم خريطة أو قائمة لأبرز الشخصيات النسائية التاريخية المغربية، حيث ذكرت بعضها لتحرك مستنقع النسيان الذي طواها، فيما توقفت عند البعض الآخر مؤكدة أن مساهمة المرأة في الفعل السياسي لم تكن استثناء، موضحة أنه سيكون من الخطأ النظر إلى هذه المساهمة السياسية كمؤشر على تحرير المرأة، على اعتبار أن النصوص التاريخية تقدمها وتبرزها داخل نظام «بطرياركي»، تظل النساء داخله تحت سيطرة وطاعة الرجال، وبالتالي الرجل هو من يحدد هويتها، فهي إما أمه أو زوجته أو أخته أو ابنته أو خالته أو عمته.

ناهيك عن نقطة أساسية تشير إليها الكاتبة، مفادها أن المؤرخين حرصوا على إبراز السلالة الأبوية لصناع التاريخ، وتجاهلوا في المقابل سلالة الأم.

من دون شك يضع النظام الاجتماعي الأبوي النساء اللائي شاركن في العمل السياسي في موقف حرج، فالبعض منهن دخلن التاريخ، بطريقة أو بأخرى، فقط من أجل ضمان استمرار النظام الأبوي، من خلال إنجابهن ابنا ذكرا، وهذا حال كنزة مثلا، كما أن هناك نساء قويات ولكنهن منسيات، فخناتة بنت بكار، التي راكمت علاقات دبلوماسية مع ملك فرنسا لويس الـ15 والهيئات العامة بهولندا، وحلقت بعيدا خلف أسوار البلاط عبر مراسلاتها الدبلوماسية، ظلت حبيسة أسوار البلاط.

وإذا صدق ما نقل من أنباء ممهورة باستيهامات شتى عن حريم السلطان مولاي إسماعيل، اللواتي روي أنهن كن محتجزات في شققهن لا يغادرنها إلا مرة كل سنة بمناسبة ذكرى المولد النبوي لأداء الصلاة، بمن فيهن أولئك اللواتي كانت لديهن حظوة وذكاء باهر، فإننا -تؤكد الكاتبة- نكون إزاء نساء حكمن دون أن تكون لديهن المشروعية لفعل ذلك، ولهذا مارسن الحكم من خلال رجل، فزينب النفزاوية، المستشارة السياسية، حكمت من خلال يوسف بن تاشفين وكل الذين حكموا الدولة المرابطية في عهدها…

هذا من جهة، من جهة أخرى، ثمة نساء حكمن تحت مظلة المشروعية، وهذا حال تينهنان، والكاهنة… وسواء حكمن بصفة شرعية أو عبر رجل، فمن الواضح أن السياسيات عانين المصير نفسه، حيث دخلن غياهب الصمت وحكم عليهن التاريخ الرسمي بالإعدام السياسي، على حد تعبير الكاتبة القديرة فاطمة المرنيسي.

باختصار، الكتاب مُشوّق٬ حيث تذكرنا من خلاله المؤرخة وباحثة العلوم السياسية٬ أوزير كلاسيي، ببعض نساء المغرب اللواتي تجاهلهن التاريخ الرسمي.

في هذا الجزء نتعرف على زينب النفزاوية التي تزوجها كل مرابطي وصل إلى سدة الحكم.

6174363-9225831

كانت،‭ ‬رسميا،‭ ‬زوجة‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬تاشفين‭ (‬1009-1106‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬مستشارته،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬إنها‭ ‬كانت‭ ‬الماسكة‭ ‬بزمام‭ ‬السلطة،‭ ‬وبهذا‭ ‬كانت‭ ‬الملكة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للإمبراطورية‭ ‬المرابطية،‭ ‬التي‭ ‬اعتبرت‭ ‬أكبر‭ ‬إمبراطورية‭ ‬مغربية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭.‬
لا‭ ‬نعرف‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬أصلها،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬اتفق‭ ‬عليه‭ ‬المؤرخون‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬ابنة‭ ‬تاجر‭ ‬كبير،‭ ‬هو‭ ‬إسحاق‭ ‬الهواري،‭ ‬وتنتمي‭ ‬إلى‭ ‬قبيلة‭ ‬نفزاوة،‭ ‬وكانت‭ ‬تسكن‭ ‬بمدينة‭ ‬أغمات،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬باع‭ ‬ثقافي‭ ‬كبير،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬عاصمة‭ ‬ثقافية‭. ‬
تقول‭ ‬الرواية،‭ ‬التي‭ ‬نبش‭ ‬في‭ ‬تفاصيلها‭ ‬المؤرخون،‭ ‬أن‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬احتل‭ ‬بجيشه،‭ ‬المتكون‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬مغراوة،‭ ‬أغمات،‭ ‬فتزوج‭ ‬بأجمل‭ ‬فتاة،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭ ‬زينب‭ ‬النفزاوية‮…‬
كان‭ ‬المغرب‭ ‬الأقصى،‭ ‬آنذاك،‭ ‬مسرحا‭ ‬للصراعات‭ ‬بين‭ ‬القبائل،‭ ‬حيث‭ ‬كوّن‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬جيشا‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬مغراوة،‭ ‬وهاجم‭ ‬أغمات،‭ ‬واحتلها‭ ‬وتزوج‭ ‬بأجمل‭ ‬نسائها‭ ‬زينب،‭ ‬ولم‭ ‬يمر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬حتى‭ ‬أعاد‭ ‬التاريخ‭ ‬نفسه‭. ‬جاءت‭ ‬قبيلة‭ ‬أمازيغية،‭ ‬هي‭ ‬قبيلة‭ ‬بنو‭ ‬افرنس،‭ ‬وهاجمت‭ ‬أغمات‭ ‬بقيادة‭ ‬‮«‬لاغوت‮»‬‭ ‬فتزوج‭ ‬لاغوت‭ ‬زينب‭.‬
وبعدها‭ ‬هاجم‭ ‬المرابطون‭ ‬أغمات،‭ ‬وقتلوا‭ ‬لاغوت،‭ ‬وتولى‭ ‬الحكم‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ ‬المرابطي‭. ‬وحينما‭ ‬سمع‭ ‬أبوبكر‭ ‬عن‭ ‬الأرملة‭ ‬زينب،‭ ‬التي‭ ‬يحكى‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬كاهنة‭ ‬أو‭ ‬ساحرة‭ ‬أو‭ ‬رفيقة‭ ‬الجن،‭ ‬حاول‭ ‬التقرب‭ ‬منها‭ ‬والزواج‭ ‬بها‭. ‬ما‭ ‬كان‭ ‬صحيحا‭ ‬ومتأكدا‭ ‬منه،‭ ‬خارج‭ ‬الإشاعات‭ ‬والاستيهامات،‭ ‬أن‭ ‬زينب‭ ‬كانت‭ ‬جميلة‭ ‬وفاتنة‭ ‬وغاية‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭.. ‬وذات‭ ‬شخصية‭ ‬تبعث‭ ‬على‭ ‬الارتياح،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يذكره‭ ‬المؤرخون،‭ ‬وله‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية،‭ ‬كما‭ ‬ستتابعون،‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تملك‭ ‬ثروة‭ ‬هائلة‭ ‬عن‭ ‬والدها‭ ‬التاجر‭.‬
يحكى‭ ‬أنه‭ ‬لما‭ ‬جاء‭ ‬المرابطي‭ ‬أبوبكر‭ ‬ليطلب‭ ‬زينب،‭ ‬عصبت‭ ‬عينيه‭ ‬وأخذته‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬تحت‭ ‬أرضي،‭ ‬وحينما‭ ‬أزالت‭ ‬المنديل‭ ‬الذي‭ ‬حجب‭ ‬عنه‭ ‬الرؤية،‭ ‬فوجئ‭ ‬بأنه‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬الشموع‭ ‬أمام‭ ‬سلسلة‭ ‬غرف‭ ‬مليئة‭ ‬بالذهب‭ ‬والمجوهرات‭ ‬والفضة‭ ‬والياقوت‭.‬
بقية‭ ‬الحكاية‭ ‬تروي‭ ‬أنها‭ ‬قالت‭ ‬له‭ ‬بالحرف‭: ‬‮«‬كل‭ ‬هذا‭ ‬لي،‭ ‬وأنا‭ ‬أهديك‭ ‬إياه‮»‬‭.‬
بعدها‭ ‬عصبت‭ ‬عيني‭ ‬السلطان،‭ ‬وأخرجته‭ ‬من‭ ‬دهليز‭ ‬الغرف‭ ‬التي‭ ‬تخفي‭ ‬كنزا،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬دخل‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬خرج‭. ‬وهكذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬زينب‭ ‬النفزاوية‭ ‬اشترت‭ ‬حق‭ ‬امتلاك‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬أبوبكر،‭ ‬وفيما‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬تاشفين‭.‬
يقول‭ ‬عنها‭ ‬المؤرخ‭ ‬رينرت‭ ‬دوزي‭: ‬‮«‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حُكموا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬راهب‭ ‬ومن‭ ‬طرف‭ ‬قديس،‭ ‬حُكم‭ ‬المرابطون‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬امرأة‮»‬‭.‬
لقد‭ ‬ظل‭ ‬رؤساء‭ ‬وأمراء‭ ‬القبائل‭ ‬المجاورة‭ ‬يطلبون‭ ‬يدها،‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬ترفض‭ ‬وتصر‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تتزوج‭ ‬إلا‭ ‬ممن‭ ‬يحكم‭ ‬كامل‭ ‬المغرب‭.‬
حكاية‭ ‬زينب‭ ‬النفزاوية‭ ‬ستزداد‭ ‬تعقيدا‭ ‬إذا‭ ‬علمنا‭ ‬كيف‭ ‬تزوجت‭ ‬من‭ ‬السلطان‭ ‬يوسف‭. ‬انتقل‭ ‬أبوبكر،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬إلا‭ ‬زوجها،‭ ‬إلى‭ ‬الصحراء‭ ‬سنة‭ ‬1061،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انفجرت‭ ‬نزاعات‭ ‬هناك،‭ ‬ففوّض‭ ‬الحكم‭ ‬لابن‭ ‬عمه‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬تاشفين،‭ ‬وطلّق‭ ‬زينب،‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬حياة‭ ‬الصحراء‭ ‬صعبة،‭ ‬ولا‭ ‬تصلح‭ ‬لامرأة‭ ‬رقيقة‭ ‬مثلها‭. ‬مؤرخون‭ ‬آخرون‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنه‭ ‬طلّقها‭ ‬لتظل‭ ‬رمزا‭ ‬للسلطة‭ ‬المرابطية‭. ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬أن‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬تاشفين‭ ‬تولى‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الدولة،‭ ‬وتزوج‭ ‬بزينب‭.‬
وفي‭ ‬1072‭ ‬كان‭ ‬ابن‭ ‬عمه‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬العودة،‭ ‬وكان‭ ‬يلزمه‭ ‬أن‭ ‬يسترجع‭ ‬سلطته،‭ ‬وبذكائها‭ ‬السياسي،‭ ‬نصحت‭ ‬زينب‭ ‬ابن‭ ‬تاشفين‭ ‬بأن‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬دون‭ ‬محاربة‭ ‬ابن‭ ‬عمه،‭ ‬أي‭ ‬زوجها‭ ‬السابق‭. ‬وهكذا‭ ‬عندما‭ ‬وصل‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬إلى‭ ‬ضواحي‭ ‬أغمات،‭ ‬استقبله‭ ‬ابن‭ ‬تاشفين‭ ‬دون‭ ‬النزول‭ ‬عن‭ ‬حصانه،‭ ‬وحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يمنحه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الهدايا،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬سيوف‭ ‬وخيول‭ ‬وعبيد،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬الصحراء‭ ‬دون‭ ‬حرب،‭ ‬فعدم‭ ‬نزول‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬تاشفين‭ ‬عن‭ ‬حصانه‭ ‬وهو‭ ‬يستقبل‭ ‬ابن‭ ‬عمه،‭ ‬الذي‭ ‬فوض‭ ‬إليه‭ ‬الحكم،‭ ‬معناه‭ ‬أنه‭ ‬بات‭ ‬السلطان‭.‬
وبخلاف‭ ‬زيجاتها‭ ‬السابقة،‭ ‬كان‭ ‬لزواج‭ ‬زينب‭ ‬النفزاوية‭ ‬من‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬تاشفين‭ ‬طعم‭ ‬خاص،‭ ‬إذ‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مبنيا‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬حميمة‭ ‬نادرة،‭ ‬ويخفي‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬عمّقها‭ ‬تقاسمهما‭ ‬لحب‭ ‬السلطة‭ ‬والفتوحات‭.‬
ففي‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى،‭ ‬كان‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬تاشفين‭ ‬متخوفا‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬وكانت‭ ‬زينب‭ ‬تطمئنه،‭ ‬ويحلو‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تردد‭ ‬على‭ ‬مسامعه‭: ‬‮«‬سأجعل‭ ‬منك‭ ‬سلطانا‭ ‬كبيرا‭ ‬يحكم‭ ‬المغرب‭ ‬بأكمله‮»‬‭. ‬ظلت‭ ‬تشجعه‭ ‬على‭ ‬الفتوحات،‭ ‬وتزوده‭ ‬بأموال‭ ‬لتحقيق‭ ‬مشاريعه،‭ ‬ويسجل‭ ‬التاريخ‭ ‬أنه‭ ‬باتباعه‭ ‬لنصائحها‭ ‬قوى‭ ‬يوسف‭ ‬ثروته‭ ‬وجيشه‭ ‬وفتح‭ ‬مناطق‭ ‬جديدة‭.‬
ومن‭ ‬بين‭ ‬الطرائف‭ ‬التي‭ ‬يرويها‭ ‬المؤرخون‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬زينب‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالسلطان‭ ‬يوسف،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬بلغه‭ ‬أن‭ ‬ثلاثة‭ ‬رجال‭ ‬كانوا‭ ‬يتحدثون،‭ ‬فقال‭ ‬الأول‭ ‬إنه‭ ‬يتمنى‭ ‬أن‭ ‬يملك‭ ‬ألف‭ ‬قطعة‭ ‬ذهب،‭ ‬وقال‭ ‬الثاني‭ ‬إنه‭ ‬يتمنى‭ ‬منصبا‭ ‬إداريا‭ ‬لدى‭ ‬ابن‭ ‬تاشفين،‭ ‬أما‭ ‬الثالث‭ ‬فقال‭ ‬إنه‭ ‬يحلم‭ ‬بالزواج‭ ‬من‭ ‬زينب‭.‬
بمجرد‭ ‬ما‭ ‬بلغ‭ ‬الخبر‭ ‬مسامع‭ ‬ابن‭ ‬تاشفين،‭ ‬استدعى‭ ‬الرجال‭ ‬الثلاثة،‭ ‬فمنح‭ ‬الأول‭ ‬ألف‭ ‬دينار،‭ ‬وعين‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬منصب‭ ‬إداري،‭ ‬وأرسل‭ ‬الثالث‭ ‬إلى‭ ‬زينب،‭ ‬فأدخلته‭ ‬إلى‭ ‬خيمة،‭ ‬وكانت‭ ‬تطعمه‭ ‬من‭ ‬الطبق‭ ‬نفسه‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬الثالث‭ ‬استدعته،‭ ‬وسألته‭ ‬عما‭ ‬أكله،‭ ‬فأجاب‭: ‬‮«‬الشيء‭ ‬نفسه‮»‬،‭ ‬فأهدته‭ ‬قدرا‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬وقالت‭ ‬له‭: ‬‮«‬اذهب‭ ‬إلى‭ ‬بيتك‭.. ‬ولا‭ ‬تنس‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬كلهن‭ ‬‮«‬نفس‭ ‬الشيء‮»‬،‭ ‬وكانت‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬النساء‭ ‬يتشابهن،‭ ‬وأن‭ ‬الأجدر‭ ‬به‭ ‬ألا‭ ‬يعشق‭ ‬امرأة‭ ‬الغير‭. ‬إنها‭ ‬حكاية‭ ‬طريفة‭ ‬تعطينا‭ ‬فكرة‭ ‬عن‭ ‬التواطؤ‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بين‭ ‬زينب‭ ‬ويوسف‭.‬
وتروي‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬توارثت‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭ ‬وأرّختها‭ ‬الكتب،‭ ‬أنه‭ ‬حينما‭ ‬كان‭ ‬ابن‭ ‬تاشفين‭ ‬يختلي‭ ‬بأبناء‭ ‬عمومته‭ ‬كان‭ ‬يحلو‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يسّر‭ ‬لهم‭ ‬بالقول‭: ‬‮«‬كل‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬فضل‭ ‬زينب‮»‬‭.‬
بعد‭ ‬وفاة‭ ‬زينب‭ ‬سنة‭ ‬1072،‭ ‬تابع‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬تاشفين،‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬سنة‭ ‬1106،‭ ‬فتوحاته،‭ ‬وسيطر‭ ‬على‭ ‬فاس‭ ‬سنة‭ ‬1075،‭ ‬وتلمسان‭ ‬في‭ ‬1080‭ ‬والجزائر‭ ‬في‭ ‬1082،‭ ‬والأندلس‭ ‬بين‭ ‬1090‭ ‬و1094،‭ ‬وهكذا‭ ‬خلق‭ ‬إمبراطورية‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬السنغال‭ ‬إلى‭ ‬الأندلس،‭ ‬ومن‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر،‭ ‬وهي‭ ‬أكبر‭ ‬إمبراطورية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المغرب‭.‬
كما‭ ‬لو‭ ‬كنا‭ ‬أمام‭ ‬امرأة‭ ‬خارقة‭ ‬للعادة،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬إجماع‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المؤرخين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬شخصية‭ ‬زينب‭ ‬النفزاوية‭ ‬حقيقية،‭ ‬لاعتقدنا‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬شخصية‭ ‬أسطورية،‭ ‬لاسيما‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تتزوج‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سلاطين‭ ‬عصرها‭ ‬بمجرد‭ ‬وصولهم‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬الحكم

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة