معتقلة 20 فبراير تحكي عن شبكات الدعارة والمخدرات بعد أن ذابت وسطها+فيديو | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

معتقلة 20 فبراير تحكي عن شبكات الدعارة والمخدرات بعد أن ذابت وسطها+فيديو

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 15 سبتمبر 2014 م على الساعة 0:49

حينما تابعت تفاصيل الخادمة القاصر التي رمت بنفسها من الطابق الخامس يوم الثلاثاء المنصرم في حي بوركون بالدار البيضاء، مرت للحظة كل الجلسات التي جمعتني والمعتقلة في حركة 20 فبراير عن بروفايلات وشهادات معتقلات اقتسمت معهن الزنزانة نفسها، وكلهن إما قادهن الزواج القسري أو الاغتصاب أو القهر الاجتماعي والفقر وتجرع الإهانة إلى الانتحار، والانتحار كما تعلمون أنواع، قد يكون الرمي من أعلى طابق، وقد يكون الارتماء في أحضان شبكات الدعارة والمخدرات والعصابات المنظمة والقتل والسرقة…

بدأت الخيوط الأولى لإنجاز هذا الملف، الذي ينشر لأول مرة، عندما تناهى إلى علمنا في «فبراير.كوم» أن شابة اعتقلت في سياق الحراك السياسي الذي عشناه في مغرب 2011، وأنها على خطى المعتقلة السياسية سعيدة المنبهي، كانت تكتب وتدوّن في زنزانتها كل ما تسمعه وتراه عن مغربيات سقطن في شبكات الدعارة والمخدرات.

ففي السبعينات، تركت المعتقلة في حركة «إلى الأمام» سعيدة المنبهي مذكرات لم يمهلها الموت في زنزانتها لإكمالها عن تشخيص الوضع السياسي في نظام الملك الراحل الحسن الثاني، ومساءلة النظام والكشف عن الاختلال البنيوي فيه. يومها أضربت المعتقلة السياسية عن الطعام وما صامت عن الكتابة وهي تشرّح الكثير من الأمراض الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، من خلال تسليط الضوء على حالات معتقلات كن ضحية القهر…
انتقلنا إلى مراكش بحثا عن المعتقلة في حركة 20 فبراير، التي بدت وكأنها تكمل ما بدأته الراحلة سعيدة المنبهي وهي تصيخ السمع لمعتقلات مقهورات.. . وأخيرا التقيانها.

منذ البداية لا يمكنك أن تتجاهل شخصيتها القوية، المندفعة أحيانا، الغاضبة والثائرة على الظلم والقهر أحايين كثيرة.
فمن تكون لبنى أفرياط؟ تقدم نفسها : « أنا ابنة الشعب المغربي. ولدت وسط آهات الأمهات العاملات في الضيعات والنساء المقهورات في المعامل، ومن عرق جبين آبائنا المعتقلين والشهداء.. آبائنا المناضلين من أجل القوت اليومي والعيش الكريم، أنا مناضلة سابقة في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وناشطة في حركة 20 فبراير، وناشطة الحركة النسائية الشعبية «حركة العيالات جايات» (النساء قادمات).

تم اعتقالي بعد مشاركتي في إطار حركة 20 فبراير في عز الغليان الذي عرفه الشارع المغربي، حيث وزعت مع رفاقي منشورات تتضمن في محتواها توعية المواطنين بالوضعية المأساوية للمغاربة ورفض الظلم والقهر الذي نعيشه يوميا، والتي يكفي أن يستنكرها أي كان بأعلى صوته لكي يتم إسكاته ».
لم يكن سهلا على لبنى أن تحرض معتقلات من نوع خاص على البوح. يسمونهن العاهرات، الداعرات، اللواتي يبعن اللذة الجنسية لعدد غير محدود ولا منتقى، نظير مبلغ، هي حرفة للتكسب، وبطلاتها منبوذات، إلى درجة أن بعضهن أكدن للبنى أنهن عادة ما يلجأن إلى إخفاء السبب الحقيقي لاعتقالهن، والادعاء أن سبب إدانتهن بالحبس النافذ إما السرقة أو القتل أو المتاجرة في المخدرات… أي سبب إلا الدعارة، لأنه سيجعلهن محتقرات في نظر السجينات اللواتي يتقاسمن معهن الزنزانة نفسها.
هنا في مذكرات لبنى تكتشف أن بائعة الجنس المعتقلة تحتقر بائعة الجنس التي تتقاسم معها الزنزانة ذاتها.

«أ الشفارة، أ البزناسة، أ القتالة» مهما تم الضغط على الهمزة التي تسبق معارك طاحنة تتكرر يوميا بين السجينات في الزنزانة، ومهما تناسلت المصطلحات التي تلعن وتسب من خلالها المعتقلات بعضهن البعض، كالسارقات أو المتاجرات في المخدرات أو المرتكبات لأخطر جرائم القتل، فإنها تظل أقل وقعا عن العبارة إياها «أ القح…».

هذا ما فهمته من لبنى التي حرضت مغربيات من نوع خاص على البوح. فيهن المتسولة وخادمة البيوت والقاتلة لشقيقها والمتاجرة في المخدرات، والسارقة والضحية والمذنبة… وقد كن متحفظات في حكي مسارهن الغارق في الدم والاغتصاب والإهانة ووصمات العار التي عشنها…

بعد نقاشات فتحتها لبنى معهن، أفلحت في إقناعهن بأنها ستغلف حكاياتهن بأسماء مستعارة، وأنها ستحكيها للقارئ بأمانة كما سمعتها عنهن، وقد بهرتهن وهي الطالبة الجامعية والمنتمية سياسيا بفصاحتها وشرحها للاضطهاد، للقهر، الذي دفعهن إلى الدعارة، وأثر فيهن أنها لا تحتقرهن مثل الأخريات، وأنها تصغي إلى آلامهن، وهذا ما توضحه لنا في «فبراير.كوم »:

«تعايشت معهن تحت سقف الزنزانة الواحدة. لم يكن ممكنا ألا أنصت لهن وألا تهزني قصصهن التي تعطي صورة عن الاستغلال والقهر الجنسيين اللذين عايشنهما لسنوات، حاولت أن أرى من خلالهن واقع المغربية بعيدا عن
الصورة التي أعرفها عن الطالبة والعاملة والموظفة العمومية …
كنت قد انتقلت من سجن بولمهارز بمراكش، الذي كانت تفصل فيه السجينات عن بعضهن البعض، إلى سجن «القلعة » بمدينة قلعة السراغنة، وهناك سهل علي أن أكون في زنزانة تضم 20 سجينة وأن أفتح معهن نقاشات طويلة، ومن خلال ما سمعته منهن، خطر ببالي ما سبق أن كتبته الشهيدة سعيدة المنبهي عن العاهرات في السجن، وكنت قد قرأته بتمعن، ولأنهن كن يعرفن حكايتي وسبب اعتقالي ويحترمنني، فقد سهّل علي ذلك الاقتراب منهن وإقناعهن بأن أحكي عنهن قصصهن.
وقد بلغ مجموع القصص التي سردنها 15 قصة، وقد طلبت مني خمس معتقلات منهن عدم نشر ما روينه لي، وإن بأسماء مستعارة، وقد احترمت رغبتهن، واكتفيت بتدوين مسار عشر نساء بأسماء مستعارة ».
وبدأت لغة البوح في ليال مليئة بالكوابيس لصاحباتها اللواتي كانت كل واحدة منهن تحاذر أن يعرف أحد كل أسرارها. وفجأة فتحت لبنى صنبور الأسئلة ومعها اقتحمت أحد الطابوهات.
في أدب السجون، ثمة مذكرات وروايات ومشاهدات، وفي الحكايات التي وثقتها لبنى مشروع مذكرات يعري جزءا من واقع مغربيات سقطن في يد شبكات الدعارة والمخدرات، ولا شك أنها شابة تحتاج إلى تشجيع لإصدار كتاب عن مذكراتها في السجن.

ولم تكن مهمتي كصحافية سهلة، فلبنى مازالت تحتفظ بما دونته خلف الزنزانة في دفاتر تخبئها بعناية، أغلبها مازال عبارة عن رؤوس أقلام تحتاج إلى ترتيب، والنبش في مذكرات لبنى التي تعيدها إلى أيام الاعتقال و « البانضة » وتكميم فمها، يحتاج إلى مقدمات وصبر وإلى أكثر من لقاء.
«من كان منكم بلا خطيئة فليرمِها بحجر »، إنها واحدة من عبارات المسيح الأكثر دلالة، وهو يدعو الذين اتهموا امرأة وأدانوها بالزنا ويتسابقون إلى رجمها، إلى أن يسألوا أنفسهم أولاً إن كانوا بلا خطايا.

ولبنى تدعوكم إلى قراءة شهادات من اقتسمت معهن الزنزانة نفسها دون أحكام مسبقة، ودون أن ترموا أيا منهن بحجر.
لسنا هنا في ضيافة الشرطة، حيث تغلب لغة السين والجيم والمواجهة بالشهود وتقاطع القرائن… لبنى هنا تنصت إلى بكاء من يطلق عليهن العاهرات أو بائعات الجنس.
هنا تنكشف أكثر أسباب الدعارة وضوحا وغلظة: السبب المادي.
لم تجد المعتقلة السياسية لبنى أفرياط عذرا لبغايا الجسد، لكنها، عبر تدوينها لحكاياتهن، تفضح الجهل والعوز واللاإدراك. تكشف عن نساء هن إما ضحايا الأب، والزوج والأخ والحبيب… ضحية «زواج الفاتحة » ، ضحية أوساط اجتماعية يغيب فيها الضوء وتحضر العتمة.. ضحية غياب المدرسة والإهمال في أحياء معزولة ومنسية.. ضحية مجتمع يعاقب على الخطأ ويتسامح مع الخطيئة، يستنكر الرذيلة ويتعامل معها.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة