في قلب مخيم الزعتري المنسي.. المغرب يداوي الجراح

في قلب مخيم الزعتري المنسي.. المغرب يداوي الجراح

  • مخيم الزعتري.. مــــريـــة مـــكـــريـــم
  • كتب يوم الإثنين 20 أكتوبر 2014 م على الساعة 21:05

في هذا الروبرتاج نحكي لكم عن الوجه الآخر للموت السوري في مخيم الزعتري، وحكاية الجيش المغربي الذي يداوي جراح السوريين، وقصص الموت البطيء، التي لا تنتهي…

هنا حيث ترك الموت بصماته بأعين الأطفال والأمهات والثكلى والمعطوبين والمقاتلين، يرفرف العلم المغربي ويغدق بسخاء على ثاني أكبر مخيم في العالم، حيث اختفى الأطباء الفرنسيون، بعد أن انتهت مهمة البعثة العسكرية الفرنسية، ولم يبق لهم من معالج، إلا الأطباء المغاربة.

وفي هذا الروبرتاج أيضا، نقتفي أثر وكواليس زيارة ملكية، حفرت اسم المغرب في قلوب اللاجئين السوريين..

هذه قصة تستحق أن تروى. ولأجلها تنقلت « فبراير.كوم » أكثر من مرة إلى مخيم، حذرني الكثيرون من الإقتراب منه، على بعد اثني عشر كيلومتر باتجاه الجنوب من الحدود السورية الأردنية، حيث ذكريات الموت والنزاع المسلح، تتنفس بصعوبة في خيام و« كارفانات »، على بقعة جغرافية عرضها سبعة كيلومترات في مساحة صحراوية لا حياة فيها.

مرية في مخيم الزعتري

« بدي أرجع ع..سورية ».. كررت الطفلة « شام » نفس العبارة ودمع عينيها الباذختي الجمال،  يداعب جفنيها.

اختار لها والدها اسم « شام » الذي يكبرها بكثير، وقد تحول دوليا إلى عنوان أزمة سياسية كبيرة، ولم يكن يدري، أن جزءا لا يتجزأ من اسم أصغر بناته، سيتحول إلى غصة بحجم الوطن..

شام أجمل طفلة لاجئة في الزعتري

لا تذكر شام عن الشام، إلا صورا تؤثتها مشاهد القنابل والدم، وتلازمها كوابيسها يوميا، لكنها تحلم بالعودة إلى الشام… فهناك شجرة غرسها والدها، وثمة ابنة الجيران، التي لا تعلم أنها قتلت ودفنت، بعد أن أرغمت وعائلتها على ترك البلد..

هنا الأطفال في كل مكان، يخيل إليك وأنت تنتقل من خيمة إلى أخرى، أنك في مدينة هجرها سكانها، وقد تركوا وراءهم الأطفال والشيوخ والنساء، ومن بقي من الشباب يعد العدة للرحيل.

الأطفال تائهون، وعلامات الخوف والهلع تركت بصماتها على عيونهم.. انتبهوا، نحن في مخيم يضم ما يربو عن مائتي ألف لاجئ، لفظتهم حرب سورية طاحنة، والكل على أعصابه، حيث قصص الموت والقهر، لا تنتهي..

طفل لاجئ في الزعتري

هنا مخيم الزعتري، ثاني أكبر مخيم للاجئين في العالم، بعد مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين بالأردن، الذي لجأ إليه عشرات الآلاف، على هامش الحرب السورية التي اندلعت عام 2011..

يقع المخيم على بعد حوالي 20 كم، شرق مدينة المفرق، شمال شرق الأردن في محافظة المفرق… الحياة بالمخيم صعبة، والوصول إليه ومن ثم التجول فيه لمحاورة اللاجئين والذوبان وسطهم، ليس سهلا، وزيارة المستشفى العسكري المغربي أكثر تعقيدا، حتى حينما تجاوزت « فبراير.كوم » الدبابات التي تحرس المخيم، كانت زيارة المستشفى المغربي، أشبه بالمستحيل!

i6

التصريح.. !!

« التصريح يحتاج الى مدة طويلة والمكان خطر..هناك لاجئون مسلحون، والمخيم يغلي، ومدة اقامتك، لن تسمح بتدبير الزيارة، ثم إن دخول المخيم لا يعني دخول المستشفى، الذي يحتاج إلى ترخيص من القوات المسلحة الملكية.. » كانت هذه حجج ديبلوماسيين مغاربة التقيتهم في الأردن… حتى حينما نجحت « فبراير.كوم » في اقناع الأردنيين بالترخيص لنا لدخول المخيم، والتقينا الكولونيل الفرنسي، وجبنا المخيم طولا وعرضا، تحت أعين السلطة الاردنية التي كانت تراقب من بعيد تحركاتنا، أٌقفل الباب الحديدي للمستشفى العسكري المغربي في وجهنا..

لا يمكنك أن تفهم كيف تقف البيروقراطية والتنظيم العسكري المحكم أحيانا، و»القاتل » أحايين أخرى في وجه الاعلام، وتكاد تتساءل ما الذي يخفونه، فبمجرد ما يسمعون الصفة، « صحافية »، تتغير نظراتهم فجأة، ومعها تتوثر أعصابهم وهم يضغطون على قبضة أيديهم.. كما لو وضعوا أصابعهم على مسدساتهم، تتغير لغتهم، ويفتحون كل اللاءات، أمام صحافية، ما رأته مشرف للمغرب عن مستشفى عسكري تحول إلى مفخرة..  هناك شيء غلط في التواصل بين البزة العسكرية ومهنة المتاعب، لا محالة، على المؤسسة البكماء أن تراجعه، لاسيما بعد الأبواب المفتوحة التي نظمتها القوات المسلحة الملكية، وهي خطوة، انضافت إلى محاولات المكتب الخامس في عهد توأم الجنرال العنيكري،  فتح نافذة بهدف التواصل مع  صاحبة الجلالة، وأقصد هنا الجنرال بلبشير..

الكولونيل الذي حاورته فبراير

بالمقابل، استقبلنا الجنرال الفرنسي بالخيمة العسكرية الطبية التابعة للجمهورية الفرنسية مبتسما، لا هو احتاج إلى اذن عسكري، ولا أن يضبط أعصابه على إيقاع الشك والبيروقراطية أو المزاج العسكري.. وحدها بطاقة الصحافة، وتعريف مقتضب لموقع « فبراير.كوم »، كان كافيا ليفتح لنا صنبور الأجوبة.

ما قاله الكولونيل الفرنسي عن المستشفى العسكري المغربي مدعاة للفخر، قال انه يضمن التخصصات، ويؤمن العديد من العمليات الجراحية، وان ما يقوم به يضاعف جهود الفرنسيين والسعوديين والاماراتيين، ولكم أن تتخيلوا أي دور يلعبه المستشفى العسكري المغربي اليوم، بعد أن قررت دولة فرنسا أن تسحب فريقها الطبي العكسري من مخيم يصفونه بالخطر، وكيف حزموا حقائبهم الطبية، ولم يعد أمام المرضى والجرحى ومعطوبي الحرب، إلا المستشفى العسكري المغربي.

ولأن « فبراير.كوم » ألحت في طلب الترخيص لزيارة المستشفى العسكري المغربي مرة أولى وثانية وثالثة، فإن الدفتر العسكري يسجل أن موقعنا زاره ثلاث مرات خلال مدد زمنية متباعدة، وقد حرصتُ عند كل مرة، على أن أسأل وأقارن وأمحص، وإليكم الحصيلة:

يستقبل المستشفى المغربي عشرات المرضى يوميا، كل الولادات القيصرية للاجئات السوريات، تمر من المستشفى العسكري المغربي، كل العمليات الجراحية بمختلف أنواعها تجرى بمشرط مغربي، وكلما شعر أي من اللاجئين بمخيم الزعتري، أن وضعه الصحي تدهور أو وصل مرحلة الخطر، فإن العلم المغربي وحده يرفرف لإنقاذ المرضى والجرحى ومعطوبي الحرب..

وقد بلغ عدد اللاجئين السوريين الذين استفادوا من خدمات المستشفى الميداني الطبي الجراحي المغربي في مخيم (الزعتري) في محافظة المفرق الأردنية (شمال شرق)، منذ إقامته سنة 2012 وإلى حدود شتنبر 2014، 409 آلاف و291 لاجئا.

هنا يلعب المستشفى العسكري المغربي، دور بلسم الجروح، التي تنزف دما سوريا، يهرق بسخاء باسم الاستبداد والتناحر السياسي والنعرات الدينية، بعد أن تحول الربيع العربي إلى خريف حقيقي.

Capture d’écran 2014-10-30 à 20.28.43

محمد السادس مر من هنا

هنا على الحدود السورية الاردنية، يترك العلم المغربي بمخيم الزعتري بصماته، ولا يمكنك أن تزور المخيم ويعلم السوريون أنك مغربي، دون أن يقفوا عند هذا البلد الذي طبع قلوبهم، وأن يذكروا بعضا من تفاصيل زيارة الملك محمد السادس للمخيم  ..

لا يفضل الظهور في المنتديات العربية وصالوناتها ويتوارى عن طاولة النقاش في الشرق الأوسط، وينشغل بالداخل أكثر من الخارج، وكثيرا ما تردد شعار « تازة قبل غزة » لترتيب أولوياته. بعضهم يعتقد أن الجالس على العرش لا يؤمن بالخطابات الجوفاء، ولغة الخشب التي قد تنتجها بعض القمم العربية، والبعض الآخر يعتقد أن هذه إحدى نقط ضعف وريث الحسن الثاني..

في 18 أكتوبر 2012، رسم الملك محمد السادس، صورة لا تحتمل الكثير من القراءات والتأويلات.
ومع انتقاله إلى مالي ثم واشنطن والسنغال ثم فرنسا، فأمريكا، وصولا إلى جولته الإفريقية الأخيرة، التي امتدت لأسبوعين ثم تونس، رسم وريث الحسن الثاني ملامح أخرى، وما لا يعرفه الكثيرون أن زيارة الملك إلى مخيم الزعتري، كانت مربكة..

i8

الحذاء الملكي والغبار الصحراوي

نزل الملك بالهيلوكوبتر غير بعيد عن مخيم الزعتري، قادما إليه من مدينة عمان، كل الترتيبات، تقول مصادرنا، حٌضرت كي تمر الزيارة بسرعة، ومن دون مشاكل.

كان في انتظاره الكثير من الغبار ورياح الصحاري، شرق المملكة الأردنية، ولم يصدق الكثير من سكان المخيم، أنه سيذوب وسط مخيم الزعتري، الذي ما إن تُفتح بوابته الحديدية، حتى يُزال القِدر، وتفتح كل الطابوهات وكل أسباب الغليان.

إنه أول قائد عربي تطأ قدماه مخيم الزعتري، الذي بات علامة وعنوانا بارزين، على الأزمة السورية بالأردن.

الملك محمد السادس زاره في هذه الظرفية السياسية الحساسة التي تمر منها المنطقة العربية عموما وسوريا خصوصا.

ولم تخل الزيارة الملكية إلى مخيم الزعتري من حوادث السير، وكان لها ما قبلها وما بعدها.

شرع مخيم الزعتري في استقبال اللاجئين يوم 10 غشت 2012، وقبل وصول الملك محمد السادس إلى المخيم في أكتوبر 2012، حدث ما لم يكن في الحسبان، يروي لـ »فبراير.كوم » ديبلوماسي رفيع المستوى، فضل عدم الكشف عن اسمه..

تسلل بعض الشباب اللاجئين إلى الوفد الملكي، وعمت الفوضى في مخيم، خيمه هشة والذين يتدثرون تحت أسقفه المرقعة، متوثرون، ومرتبكون، وجرحى ومكلومون، وبدا المشهد سرياليا، كما وصف مراسل قناة « رؤيا » التدافع بالأيدي بين حرس الملك محمد السادس والأمير غازي بن محمد، المبعوث الشخصي للملك عبد الله الثاني، من جهة، وبعض اللاجئين من جهة أخرى.
فجأة، اختفت الفجوة التي تفصل بين الدائرة الأمنية الأولى للملك محمد السادس واللاجئين، واقترب جسد الملك من مرددي الشعارات، وفي لحظة بعينها، كان تدافع سيل من اللاجئين، محددا في مسار حركة الموكب الملكي..

باختصار، لقد ساد نوع من الفوضى خلال الزيارة الملكية للعاهل المغربي، كما تصف مصادرنا لحظات، بدت سريالية، وكل الذين تمكنوا من الوصول إلى حيث الملك صافحوه وهم يشتكون وضعهم في مشاهد ليست غريبة عن لحظات حنطتها أشرطة فيديو سابقة باختلاف الزمان والمكان، بدا فيها الملك مطوقا من طرف مغاربة في حي شعبي بمدينة خريبكة، أو في حي وصف بالخطير في مدينة طنجة، أو في شارع فرعي بمدينة أبيدجان في واحدة من زياراته الإفريقية، حيث اعتاد أن يذوب وسط الجماهير…

الارتباك الذي عمّ المخيم، التقطته عدسات الكاميرا، بعد أن تجاوز الملك محمد السادس الدائرة الأمنية الأولى، واقترب من طابور اللاجئين. وقبل أن يذوب وسطهم كما جرت العادة، أن يحدث حينما يتنقل بين الناس، ارتفع منسوب الغبار والصياح والحركات، فماذا حدث خلال زيارة الملك محمد السادس بالزعتري؟

مصادر من ساكنة المخيم، أكدت لنا أن اللاجئين كانوا غاضبين، وأن الملك وضع قدماه في مخيم يغلي، والشعارات التي رفعت، حسب نفس المصدر، تؤكد أن اللاجئين، قالوا للملك محمد السادس، إننا نموت ها هنا، ومنهم من قال، إننا نرغب في العودة إلى سوريا..وإذا أعدتم شريط الفيديو الذي نقلته قناة رؤيا » ستسمعون نفس الجملة: »  « واحد.. واحد.. الشعب السوري واحد.. » وهي العبارة التي صدحت بها الحناجر التي اقترب منها الملك محمد السادس.

رؤيا وهي أبرز محطة تلفزونية خاصة بالأردن، نشرت فيديو، ركزت من خلاله لحظات وصول الملك محمد السادس إلى المخيم، مسلطة الضوء على حادثة السير التي وقعت أثناء الزيارة الملكية، وإليكم أبرز ما جاء في تقرير صحافي بعض من مشاهده بليغة:
« مشهد سريالي طغى على مخيم الزعتري خلال زيارة الملك محمد السادس إليه، حاملا الدعم للاجئين السوريين.. مخيم اللجوء، مثار الجدل والغبار، استقبل زواره بفوضى عارمة، وسط حراسة أمنية مشددة، تمثلت بأسوار بشرية للحفاظ على النظام ومنع التجمهر حول الزائر الرفيع المستوى.. بعض اللاجئين تمكنوا من التسلل حيث الضيف فصدحت الحناجر بالهتاف والصفير، وتمكن بعضهم من الاقتراب، مما استدعى تدخل بعض الأجهزة الأمنية لتبعدهم..
لكن، الفوضى التي اتسم بها المكان، سرعان ما تحولت إلى توثر وتدافع بالأيادي، بين حرسي العاهل المغربي وبين جموع اللاجئين… »

نفس القناة ستروي بالصوت والصورة بنفس الروبرتاج، كيف اعتدي على مراسل « رؤيا »، وكيف كادت كاميرا القناة، تصادر من طرف بعض اللاجئين الغاضبين، الذين لا يرون أي جدوى من نقل معاناتهم بالصوت والصورة!

الملك محمد السادس الذي عايش أكثر من حدث طارئ في مساره، منذ أن كان وليا للعهد، ويدير من غرفة العمليات أكثر حالات الطوارئ حساسية والملفات الملتهبة في المملكة، أصر على الذوبان وسط جماهير غاضبة، رددت العبارة نفسها: » واحد واحد واحد الشعب السوري واحد »، وانتقل إلى مصافحة بعض من الغاضبين، وهو يلوح بيده وهو يتحدى غبار الصحراء، وهو يشرف شخصيا على جنود مغاربة يضمدون بالتناوب، جراح الشباب السوري الذي يعيش أحلك الظروف في المخيم، في انتظار العودة إلى سوريا الجريحة، هذا ما أكده لـ »فبراير.كوم » أكثر من طرف التقيناه، ومن بينهم والد شام، الذي قال لنا بالحرف: » أنا حضرت وما استطعت اسلم على الملك.. كانت كثافة البشر الهائلة.. والشاطر هو الذي يقترب للسلام عليه.. جلالة الملك ترك الحرس والحاشية، وتنقل بين السوريين وسلم عليهم بحرارة..أنا احيي جلالة الملك، لأن الوقفة التي وكَفها معنا تاريخية… وأذكر جيدا أن زوجة ابن عمي أنجبت  طفل يوم زيارة الملك للمستشفى، فسمته محمد على محمد السادس، وقد قبله الملك  واعطاه هدية ..»

i5

حكاية حريق سبق محمد السادس

فجأة انتابت المخيم موجة غضب عارمة عن أوضاعهم الإجتماعية، مرورا بالشارع الرئيسي المعروف بالسوق، أضرموا النار في الكثير من المحلات التي وقعت في طريقهم، وعندما وصلوا إلى المستشفى، وقف صاحب العضلات المفتولة، وقد اشتعلت نيران الغضب في عينيه العسلتين، وهو يردد: » لا.. لا.. هذا المستشفى اللي بيشفي مرضانا » وهو ينهر أحدهم من الذين حاولوا إحراق المستشفى العسكري.
هذا بالضبط ما حدث أياما معدودة، قبيل زيارة الملك محمد السادس لمخيم الزعتري، والغضب يلتهم اللاجئين، كما يروي لـ »فبراير.كوم » مصدر عاين الحرائق التي اندلعت، ونار الغضب تلتهم المخيم، وقد هاله موقف اللاجئين الذين حموا المستشفى العسكري.

بعد أن أخمدت نيران الاحتجاج، داوى المستشفى العسكري المغربي جراح اللاجئين، ومع كل عملية جراحية أو تدخل، ظل المستشفى، كما عايننا، يحفر اسم المغرب والمغاربة، في سماء مخيم، لغته الريح والغبار.

ولتفهموا لماذا صدحت الحناجر في حضرة الضيف الرفيع المستوى، لابد أن تعرفوا ما الذي يجري خلف الخيم و »الكارفانات » ..

حينما يغرق مخيم الزعتري في الوحل

يسمونه مخيم الغبار، ويسمونه أيضا مخيم الصحراء، ويمكن لـ »فبراير.كوم » أن تضيف إليه مخيم « الوحل »، لأنه يتحول إلى برك مائية وكثل طينية تغرق في أوحالها الأحذية البلاستيكية للاجئين ينتظرون الذي يأتي والذي لا يأتي.

تختلف معاناة اللاجئين بمخيم الزعتري من فصل لآخر، فلصيفها قساوة الشمس القائضة والغبار الصحراوي القاتل، ولبردها لسعات تقشعر لها الأبدان. « فبراير.كوم » عادت من جديد إلى المخيم والى المستشفى العسكري تحديدا، هنا تغير المناخ، بعد أن تحول الغبار الذي يكسو المخيم إلى وحل، وزادت العواصف التلجية المخيم عزلة ووحشة.

i3
وأخيرا.. « فبراير.كوم » بقلب المستشفى العسكري بالزعتري !

تتراوح الحالات التي نستقبلها يوميا بالمستشفى الميداني المغربي في مخيم الزعتري، والكلام هنا للكولونيل المغربي، الذي استقبل « فبراير.كوم » بعد طول إلحاح وإصرار للقيام بجولة إستطلاعية، ما بين 1200 و1500 حالة في اليوم، وأغلبهم أطفال ونساء، تقدم لهم خدمات طبية مختلفة، ويشرف على المستشفى  32 طبيبا وحوالي 117 إطارا، يضم الطاقم الطبي من المساعدين والممرضين والأساتذة الجامعيين، بالإضافة إلى أشخاص يؤمنون الدعم للمخيم، بما في ذلك ممثلي جهازي المكتب الخامس والدرك الملكي، حيث يوفر المخيم أطباء متخصصين في جراحة العيون والحنجرة والأحشاء والجراحة العامة والأعصاب والدماغ والجراحة التجميلية والكسور والتخدير والإنعاش وطب الأطفال وتقويم الأسنان، والطب البيطري أيضا …

ويضيف محاورنا العسكري خلال لقائه بـ »فبراير.كوم »: شخصيا أقول للمتعاونين معي في المخيم، عليكم أن تضعوا أمامكم، أربعة أشياء وأنتم تشتغلون… سيدنا، المغرب والمغاربة، والعلم الوطني، والحمد لله الأمور على ما يرام.. ولا أخفيكم، قال لي أحد ممثلي الاتحاد الاوربي إن الدول الاوربية تحسدكم على هادشي »

فبراير.كوم في ضيافة الجيش

فبراير في في المستشفى العسكري

التقينا الكولونيل الفرنسي، ديمو سانت بريست، الذي تحدث لنا عن « تمور »، وهو اسم العملية التي أطلقها الجيش الفرنسي على تدخله الإنساني في مخيم الزعتري.
قال لـ »فبراير.كوم » إن ثمة علاقات قوية تجمعهم بالساهرين على المستشفى العسكري المغربي، بالنظر لأسباب لغوية وتاريخية وإنسانية، بالإضافة إلى أسباب مهنية، تفرضها طبيعة التخصصات التي يضمنها المستشفى المغربي.

يقول بالحرف: » إننا نعمل مع المغاربة طوال الوقت.. نبعث لهم بالمرضى حينما يتطلب التدخل الطبي لعلاج مريض ما، تخصصا طبيا، بحكم أن المستشفى المغربي يتوفر على كل التخصصات الطبية، وكلما كنا أمام حالة ولادة عسيرة، نحيلها على المستشفى المغربي، الذي يؤمن كل ظروف الولادة القيصرية.. »

الظروف سيئة وغير انسانية، يؤكد لـ »فبراير.كوم » أحد اللاجئين، ويضيف آخرون بلهجة شامية : » هيذي عيشة المٌر »، حتى حينما ذكّرنا إحدى اللاجئات بظروف القصف ونيران الحرب، قالت في وجهنا: » ضرب من غير ضرب، أنا بدي أرجع ع.. سوريا.. » وقد التقينا العديد من الذين يحركهم الحنين إلى الوطن، والحلم بالعودة إلى سوريا بدون حرب، سوريا دون دمار، وبلا صراعات سياسية، وكلما كبر الحلم، كلما اسودت ظروف المخيم في عيونهم، لكن كان لبعض الشباب الذين التقيناهم رأي آخر: » هنا في المخيم أحسن.. على الأقل تنام لك ساعة، بعيدا عن القصف والنيران.. »

ثلثي المرضى بمخيم الزعتري، أطفال دون السادسة عشر، منهكون نفسيا، وضعيتهم هشة في منطقة صحراوية، يشتكون من شح المياه التي يعاني منها الأردن ككل، يقول والد شام « الوضع صعب.. هنا في المخيم، موت على البطيء.. هناك في سوريا، موت سريع جدا… »

منصور محمد رشيدات، من درعة، الكرك الشرقي بسوريا الجريحة، موظف في مجال المواصلات، تعرض بيته للقصف واحترق نهائيا منذ سنتين تقريبا، فحمل أبناءه الستة، وأكبرهم عمره 13 سنة وأصغرهم شام، التي لا يزيد عمرها عن الثلاث سنوات، ولاذ بالفرار إلى الحدود السورية الأردنية، وبعد ثلاث أشهر علم بنبإ فصله عن العمل، يقول وقد فتح بيته لـ »فبراير.كوم » وهو عبارة عن كوخ حديدي أو ما يصطلح عليه في المخيم بـ »الكارفانات »:إننا نتواجد في أسوأ منطقة في الاردن، والدليل على ما أقول، أنه منذ وصولنا إلى هنا لم نرى نبتة واحدة.. فهذا المكان الصحراوي القاحل، كان مخصصا لتربية الجمال.. لا اخفيكم، فكرت في العودة، لكن إلى أين، بيتي احترق، فصلت من العمل، فكيف أعول أبنائي وأنا أعاني من إصابة قديمة في ساقي.. »

هناك مادة نستفيد منها كلاجئين ويفترض أن لا نبيعها، لكن هناك أسباب تدفعنا أحيانا إلى ذلك، فحينما ترغب ابنتي شام في أكل « البندورة »، فليس أمامي إلا بيع جزء من البرغل أو العدس أو باقي المواد التي توزعها علينا الأمم المتحدة، لأشتري كيلو طماطم، بالنسبة لي لا يتعلق الأمر بعملية تجارية، ولكنها محاولة لتنويع وجبات الغذاء لفلدة كبدي.. ولا أنكر أن ثمة « كروت » وهمية توزع مرتين على اللاجئ وثمة إعانات تباع داخل وخارج المخيم، لكنها تبقى محدودة في اعتقادي.. »

ولأن محاورنا والد شام، يحرص على أن لا يكون ذاتيا، فقد أكد لـ »فبراير.كوم » أن الوضع رغم قتامته، إلا أنه أحسن مما كان : » قضيت سنة ونصف تقريبا  في المخيم، إنه  أفضل حالا مما كان عليه لدى وصولنا، الوضع كان سيء، لكنه كان أسوأ قبل تشييد « الكارفانات » وهو أحسن بعد أن تم تزفيت بعض الشوارع والأزقة، فشهرا بعد آخر تتحسن الخدمات، ولا ننكر أن المستشفى المغربي يساعدنا على تضميد الجراح.. أحيي الملك محمدالسادس.. تبث ان المغاربة وقفوا معنا وقفة تاريخية.. المرضى يقصدون المشفى المغربي، بحيث ثمة اقبال كبير عليه، يفسره تسابق الاطباء على علاجنا، ورغم نفسية اللاجئ، التي عادة ما تكون مضطربة، بحكم ما عاشه من جراء القصف، لكنهم يستقبلون المرضى السوريين بصدر رحب.. اتمنى لو كل اخوانا العرب مثل المغرب.. »

i1

المغرب بلسم جروح السوررين

تصادف وجودنا مع تغيير الضمادات لشاب نقل من سوريا، وقد أصابته قديفة، وخضع لعملية جراحية بالمستشفى المغربي، ولازال يتردد على الأطباء المغاربة، لينقذ ساقه المصابة من البتر ولتضميد جراحه. الشاب الذي كان يتدور ألما لحظة وصوله، قال لـ »فبراير.كوم » بعد أن خف الألم: «  الحمد لله بسبب المغاربة، انا بخير والحمد لله ».

ومن حسن حظنا ان تزامن وصول « فبراير.كوم » مع فترة المخاض للاجئة سورية ولادتها عسيرة..، لأمر ما رفعت المولودة يدها وكاميرا الهاتف المحمول لـ« فبراير.كوم » تمسح الخيمة الطبية.

سألنا والدتها أي الأسماء اختارت لها، فكان هذا ردها: « ابنتي سورية، وأرض المخيم أردنية، لكن الخيمة مغربية، والأطباء الذين أنقذوني وإياها مغاربة، لهذا إذا وافق والدها، سأسميها المغربية »

وتقول لاجئة تعاني من ضيق في التنفس وهي تنتظر دورها للعلاج لـ »فبراير.كوم » : » والله نشكر المغاربة.. تاركين أهاليهم وجايين معانا.. »

اليوم تكون قد مرت ستة أشهر تقريبا، على إقفال المستشفى العسكري الفرنسي أبوابه، ومغادرة الفرنسيين، تراب مخيم الزعتري، وهذا ما زاد من الإكراهات الملقاة على عاتق المستشفى المغربي، الذي سيسجل التاريخ أن الكثير من الجرحى ومعطوبي الحرب والثكلى والمفجوعين والأرامل والأطفال الموجوعين، مروا منه.

فبراير.كوم في مخيم الزعتري

وكأن شيئا ما بات يشدني الى هذا المخيم، كلما زرت عمان، أشد الرحال اليه!! هل هي عينا شام الساحرتين، اللتين لو رآها محمود درويش أو نزار قباني، لألهمتهما ألف قصيدة وقصيدة عن دموع سوريا الجريحة..؟ أهي براءتها التي تشدني، أم وعودي لها بأن أعود لزيارتها، كلما حللت بالاردن؟
لعله شغفي الصحافي وتضامني مع شعب ينزف في عز الربيع العربي، لعله أيضا اعتزازي ببلدي الذي يرفرف علمه فوق ثاني أكبر مخيم في العالم.. إنه البعد الإنساني.. هو كل ذلك بعد أن تحول اسم المغرب إلى رسالة وبلسم للجرح.

ii2

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة