تينهينان‭.. ‬حكمت‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا وأورثت‭ ‬النساء‭ ‬النسب‭ ‬ | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

تينهينان‭.. ‬حكمت‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا وأورثت‭ ‬النساء‭ ‬النسب‭ ‬

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 01 يناير 2014 م على الساعة 9:40

هي‭ ‬ملكة‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬تافيلالت‭ ‬وحكمت‭ ‬الصحراء،‭ ‬وروّضت‭ ‬الرجال،‭ ‬وقادت‭ ‬الحروب‭ ‬وأورثت‭ ‬النساء‭ ‬النسب‭. ‬ تتقاطع‭ ‬الروايات‭ ‬الشفهية‭ ‬وأهازيج‭ ‬نساء‭ ‬الطوارق‭ ‬والمقالات‭ ‬العلمية‭ ‬لرسم‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬الملكة‭ ‬تينهينان،‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬الكثيرون‭ ‬ملكة‭ ‬غامضة‭ ‬وملغزة‭.‬ غادرت‭ ‬تافيلالت،‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬صحراء‭ ‬المغرب‭ ‬الحالي،‭ ‬رفقة‭ ‬خادمتها‭ ‬‮«‬تكما‮»‬،‭ ‬واستقرت‭ ‬في‭ ‬‮«‬الهكار‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬الجزائر‭ ‬الحالية‭. ‬لذلك‭ ‬فاسمها‭ ‬‮«‬تينهينان‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬مرادف‭ ‬لـ«القادمة‭ ‬من‭ ‬بعيد‮»‬‭.‬ تقول‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬تتغنى‭ ‬بها‭ ‬إنها‭ ‬كانت‭ ‬امرأة‭ ‬جميلة،‭ ‬طويلة‭ ‬القامة،‭ ‬كاريزماتية،‭ ‬قوية‭ ‬الشخصية،‭ ‬وإن‭ ‬جمالها،‭ ‬الذي‭ ‬روي‭ ‬عنه‭ ‬الكثير،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يقاوم‭. ‬ ما‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬تينهينان‭ ‬تغادر‭ ‬تافيلالت؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬قبيلتها‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬أفرادها،‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬الطموح‭ ‬السياسي‭ ‬والتخطيط‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬والوطن،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬إفريقيا‭ ‬الشمالية‭ ‬كانت،‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الرابع،‭ ‬مسرحا‭ ‬لثورات‭ ‬ضد‭ ‬سلطة‭ ‬الرومان،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يستولون‭ ‬على‭ ‬سواحل‭ ‬المنطقة؟ كيفما‭ ‬كان‭ ‬الحال،‭ ‬على‭ ‬محيا‭ ‬ومسار‭ ‬تين‭ ‬هينان‭ ‬تظهر‭ ‬ملامح‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي،‭ ‬وتنجلي‭ ‬الغيوم‭ ‬عن‭ ‬قسمات‭ ‬التمرد‭ ‬على‭ ‬القبيلة‭ ‬والأهل،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬والذهاب‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬مدى‭.‬ حزمت‭ ‬تينهينان،‭ ‬التي‭ ‬ستصبح‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬الأم‭ ‬الروحية‭ ‬للطوارق،‭ ‬حقائبها‭ ‬وقطعت‭ ‬الصحراء‭ ‬الأكثر‭ ‬خطورة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وقهرت‭ ‬أخطارها‭ ‬المتحركة،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬وخادمتها‭ ‬‮«‬تاكما‮»‬‭ ‬كانتا‭ ‬على‭ ‬اطلاع‭ ‬ومعرفة‭ ‬بالنجوم‭ ‬وتأويلها،‭ ‬وعلى‭ ‬دراية‭ ‬واسعة‭ ‬بالنقوش‭ ‬الصخرية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬ألغاز،‭ ‬فمن‭ ‬دونها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاهتداء‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬أو‭ ‬نقط‭ ‬الماء‭ ‬ومختلف‭ ‬الأودية‭ ‬والواحات‭ ‬والمراعي‭.‬ لم‭ ‬تكتف‭ ‬تينهينان‭ ‬بقطع‭ ‬الصحراء‭ ‬الوعرة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬لديها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬مجتمع‭ ‬جديد‭ ‬ازدهر‭ ‬بتطوير‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬القوافل‭ ‬التي‭ ‬تقطع‭ ‬الصحراء‭.‬ لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬أنها‭ ‬خلقت‭ ‬أول‭ ‬مجتمع‭ ‬أمومي،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬تعم‭ ‬الأبيسية‭ ‬كل‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭.‬ فلم‭ ‬يتمكن‭ ‬بعد‭ ‬المؤرخون‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬أصل‭ ‬الأمومية‭ ‬عند‭ ‬طوارق‭ ‬‮«‬الهكار‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬بصمات‭ ‬المرأة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬حاضرة‭ ‬وبقوة‭. ‬فرغم‭ ‬أن‭ ‬الرجال‭ ‬كانوا،‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرنين‭ ‬الرابع‭ ‬والخامس،‭ ‬محاربين‭ ‬بارعين،‭ ‬فقد‭ ‬لاحظ‭ ‬المؤرخون‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يخفون‭ ‬وجوههم‭ ‬باستعمال‭ ‬اللثام‭ ‬الأزرق،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يقابلوا‭ ‬امرأة،‭ ‬يضعون‭ ‬الكحل‭ ‬والسواك،‭ ‬ويتفننون‭ ‬في‭ ‬تجميل‭ ‬ضفائرهم‭ ‬الطويلة،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬النساء‭ ‬هن‭ ‬من‭ ‬يخترن‭ ‬الشريك‭ ‬ويمنحن‭ ‬اللقب‭ ‬والنسب‭ ‬لأبنائهن‭ ‬وذريتهن،‭ ‬وينقلن‭ ‬الإرث‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬أمومي‭ ‬وليس‭ ‬أبيسي‭.‬ الأكثر‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬كانت‭ ‬النساء‭ ‬يتدخلن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ويسيطرن‭ ‬على‭ ‬التجمعات‭ ‬القبلية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مناقشة‭ ‬وإدارة‭ ‬دفة‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم،‭ ‬وحتى‭ ‬إذا‭ ‬انتخبت‭ ‬القبائل‭ ‬رجلا‭ ‬على‭ ‬رأسها،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬ممثلا‭ ‬للملكة‭ ‬‮«‬تين‭ ‬هينان‮»‬،‭ ‬فأي‭ ‬تأثير‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬تينهينان‭ ‬لتثبيت‭ ‬النظام‭ ‬الأمومي‭ ‬عند‭ ‬الطوارق،‭ ‬مادام‭ ‬المؤرخون‭ ‬لم‭ ‬يحددوا‭ ‬أصله‭ ‬خارج‭ ‬هذا‭ ‬النطاق؟ عندما‭ ‬تم‭ ‬التنقيب‭ ‬في‭ ‬قبر‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنه‭ ‬ضريحها،‭ ‬عثروا‭ ‬على‭ ‬شاهده‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬عليه‭ ‬بالحرف‭: ‬‮«‬يا‭ ‬أحفادي،‭ ‬إن‭ ‬ذهبي‭ ‬مخبأ‭ ‬في‭ ‬رأسي‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬المؤرخين‭ ‬يؤكدون‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬مجوهراتها‭ ‬عند‭ ‬التنقيب‭ ‬في‭ ‬الأثريات‭.‬ ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يؤكد‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬الهيكل‭ ‬العظمي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرقد‭ ‬في‭ ‬الضريح،‭ ‬والذي‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬للملكة‭ ‬تينهينان،‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬هيكل‭ ‬رجل،‭ ‬لأن‭ ‬طوله،‭ ‬حسب‭ ‬المنقبين،‭ ‬يبلغ‭ ‬مترا‭ ‬و75‭ ‬سنتيمترا،‭ ‬ويتجاوز،‭ ‬حسبهم،‭ ‬المقاييس‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬عليها‭ ‬هياكل‭ ‬النساء،‭ ‬لكنهم‭ ‬عثروا‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬داء‭ ‬‮«‬لومبارتوس‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬مرض‭ ‬يصاب‭ ‬به‭ ‬صاحبه‭ ‬أسفل‭ ‬الظهر،‭ ‬ويجعله‭ ‬يعرج،‭ ‬وهذا‭ ‬مؤشر‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬قرائن‭ ‬تاريخية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الهيكل‭ ‬للمرأة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬بعيد‭.‬ قال‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬عن‭ ‬الطوارق‭ ‬إنهم‭ ‬أبناء‭ ‬‮«‬تيسكي‮»‬،‭ ‬ويعني‭ ‬أبناء‭ ‬المرأة‭ ‬العرجاء،‭ ‬وهذا‭ ‬يتطابق‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬توصلت‭ ‬إليه‭ ‬أبحاث‭ ‬الحفريات‭.‬ دليل‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحقائق‭ ‬حول‭ ‬الملكة‭ ‬ظلت‭ ‬مبهمة،‭ ‬تحليل‭ ‬الهيكل‭ ‬العظمي‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬ضيقا‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬الحوض،‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬صاحبته‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تنجب،‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يحكى‭ ‬أن‭ ‬تينهينان‭ ‬أنجبت‭ ‬البنات‭.‬ المؤرخون‭ ‬لا‭ ‬يفهمون‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الملكة‭ ‬تينهينان‭ ‬تتربع‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬عند‭ ‬الطوارق،‭ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬تركت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الألغاز‭ ‬في‭ ‬قبرها‭ ‬على‭ ‬خبراء‭ ‬الأركيولوجيا‭ ‬أن‭ ‬يقتفوا‭ ‬أثره‮…‬ على‭ ‬كل‭ ‬حال،‭ ‬شعب‭ ‬الطوارق‭ ‬بأكمله‭ ‬يدينون‭ ‬لتينهينان‭ ‬بالولاء،‭ ‬ولا‭ ‬تهمهم‭ ‬ألغازها،‭ ‬ويعتبرونها‭ ‬جدتهم‭ ‬وأمهم‭ ‬الروحية‭.‬

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة