عسولي: صدمني بلاغ المجلس العلمي الأعلي ولا لإحتكار المقدس ولهذه الأسباب حان الوقت لتعديل الإرث

عسولي: صدمني بلاغ المجلس العلمي الأعلي ولا لإحتكار المقدس ولهذه الأسباب حان الوقت لتعديل الإرث

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 14 يناير 2014 م على الساعة 9:15

تعرض حزب الاتحاد الاشتراكي وكاتبه الأول إدريس لشكر، خلال الأسابيع القليلة الماضية،  لحملة شعواء من قبل بعض التكفيريين والمتعصبين، فكيف يمكنكم تفسير هذا الذي يحدث؟ فوزية العسولي: بمجرد أن تعالت تلك الدعوات التكفيرية، أصدرنا بلاغا صحفيا، واعتبرنا أن ما يحدث ضرب من الإرهاب والتطرف. إن هذه الدعوات تحريض على الكراهية وتهديد لسلم واستقرار البلد، ومحاولة لحظر أي نقاش عمومي حول الإشكاليات والقضايا الكبرى داخل المجتمع المغربي، وذلك في الوقت الذي صادق فيه المغرب على المعاهدات والاتفاقيات الدولية،  وفي الوقت الذي أعلن فيه المغرب كذلك عن دستور جديد، يضمن أولا حرية التعبير، ويحظر جميع أشكال التمييز ضد المرأة. فالدولة من خلال الوثيقة الدستورية، أعلنت انخراطها في مسار محاربة كل أشكال التمييز ضد المرأة. استهدفت جمعيتكم أيضا من قبل هؤلاء المتعصبين… العسولي: إن جميع الجمعيات النسائية، وجميع المدافعين عن حقوق الإنسان اليوم، ليسوا بمنأى عن مثل هذه الدعوات التكفيرية، وهو أمر غير مقبول. فلا يجب أن ننتظر وقوع أحداث أخرى شبيهة بتلك التي عاشها المغرب في عام 2003، أو ما تعيشه العديد من البلدان العربية اليوم. فقد أقررنا دستور الفاتح من يوليوز لعام 2011، حتى نتمكن من العيش في أمان، وسلم، وأن يتمتع الجميع بحرية التعبير، وباحترام حقوق الإنسان سواء بالنسبة للرجال أو بالنسبة للنساء،  ومن أجل وضع حد لاحتكار « المقدس »،  من قبل بعض الحركات الإسلامية الراديكالية، والتي أصبح الدين اليوم رهينة بين أيديها. في كل مرة تتم فيها إثارة مشروع أو مبادرة في مجال حقوق المرأة، إلا وينبرئ  بعض المتعصبين رافعين شعار « المقدس » فبماذا تفسرون ذلك ؟ العسولي: من المؤسف أن يحدث مثل هذا الأمر. فعوض التصدي للمشاكل الحقيقية،  يقوم هؤلاء بالتهجم على الأشخاص وتحويل « المقدس » إلى آلية لمواجهة حقوق المرأة. وبالنسبة لنا فالمشكل يتجلى في تقارير « النوع »، التي لازالت تكرس نظرية وفكرة الهيمنة الذكورية.  فما يجب أن نعلمه هو أن اغتصاب حقوق النساء، يكلف الشيء الكثير بالنسبة لاقتصاد الدول، وقد سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن أنجز دراسة في هذا المضمار، حيث أشار إلى أن المغرب يفقد  حوالي 25 بالمائة  من نموه وتطوره بسبب هذا التمييز في حق النساء،  لكن الأنكى من كل هذا، هو أن البعض يحاول أن يستخدم في كل مرة الدين كأداة لـ »شرعنة »  وترسيخ فكرة تقارير النوع هاته، والتي تكرس الهيمنة الذكورية، في حين أن لا علاقة لهذا بالدين .. فالإسلام دين كل المغاربة، لكنه للأسف تحول اليوم إلى أداة في يد أقلية، من أجل شرعنة وجودها وامتيازاتها، مثل بعض الأطروحات التي قالت بـ « جهاد النكاح » أو « الجنس »  أو « الأمة »، حيث يتم تحوير الآيات القرآنية وتحميلها أكثر مما تحتمل، متناسين أن مبتغى الإسلام في نهاية المطاف هو السلم  والعدل. فهل تعدد الزوجات من الإسلام؟ أثارت جمعيتكم قبل سنوات قضية الإرث. فكيف يمكنكم أن  تفسروا أن رؤيتكم لا تمتح من المقدس؟ العسولي : بالفعل دافعنا عن فكرتنا فيما يخص الإرث قبل سنوات، وسنستمر في طرح هذه القصية، والدفاع عن حقوق النساء. إننا نعلم جيدا أن الإرث لاعلاقة له بالمقدس، فكما تعلمون فالنساء كان يتحكم فيهن من طرف القبيلة، والزوج، والأب داخل نظام قبلي…وبالرغم من ذلك، فالإسلام أعطى للمرأة الحق في الإرث.  وإذا عدنا إلى شروط الميراث فسنلاحظ انها لا ترتكز على فكرة الجنس أو النوع، لكنها تتأسس على فكرة حماية ممتلكات القبيلة، ولهذا السبب ترث المرأة أحيانا أكثر من الرجل، وفي أحايين أخرى ترث مثلها مثل الرجل.  فالإرث لايرتكز إذن على التمييز المبني على الجنس.   اليوم تغيرت البنى المجتمعية،  فانتقلنا من العائلة النووية إلى العائلة الممتدة، ومن القبيلة إلى الفرد، فالمرأة اليوم أضحت نشيطة، وسيدة المنزل والعائلة. فـ29 بالمائة من النساء مثلا هن سيدات البيوت، وللأسف فهذا العدل الذي أسس له الإسلام، قد تم إفراغه اليوم من محتواه، وبالتالي فمن الخطأ القول، أن الإسلام قد رفع بشكل مطلق من مكانة الرجل، في حين أن الله قد أشار في القرآن، إلى أنه خلق المرأة والرجل من روح واحدة، وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تسير في نفس الاتجاه. وكيف تصرفتم إزاء البلاغ الذي أصدره المجلس العلمي الأعلى حول قضية الإرث؟ العسولي: في الحقيقة لقد صدمت لذلك البلاغ، فنفس الشيء حدث  في عام 2008، عندما طرحنا هذه القضية.  فأعضاء  المجلس العلمي الأعلى في بلادنا، يرغبون في الإبقاء على الامتيازات التي تقوض كرامة المرأة، وتكلف البلد غاليا. فالعلماء الذين يتحملون مسؤولية تفسير النصوص القرآنية، يجب أن يقوموا بذلك في اتجاه  المزيد من العدالة والمساواة، ومكافحة التمييز، وتعزيز حقوق الإنسان. والقول بخلاف ذلك هو إساءة وتشويه لصورة الإسلام.   للأسف، فنحن بحاجة إلى إصلاح حقيقي للمجلس العلمي الأعلى. وقد سبق وأن أشرنا إلى ذلك في عام 2003 ، وسنستمر في المطالبة بذلك، لأنه من أجل تحقيق المزيد من النمو والتحديث، وإتاحة الفرصة للمواطنين للتمتع بمواطنة كاملة، يحتاج مجتمعنا إلى مجلس علمي للعلماء واضح، لاسيما وأن التيار الوهابي بدأ يستأسد في التراب المغربي.  وأغتنم هذه الفرصة للإشارة إلى ملاحظة أخرى أو تساؤل آخر : ما هي الطبقة السياسية التي باستطاعتها الدفاع عن حقوق المرأة ، واتخاذ موقف حازم والذهاب إلى أبعد حدود؟ فأنا أثنى على شجاعة إدريس لشكر، لأن موقفه يندرج ضمن معنى التاريخ، وهو الأمر الذي كنا نتوقعه، لاسيما وأن موقفه يتناسب مع صراع الإنسان من أجل الديمقراطية والمواطنة. أما مواقف باقي الأحزاب السياسية، فأجدها بدون معنى، حيث ينتظر منها أن تتخذ موقفا حازما، لأن الأمر لا يتعلق فقط بحرية التعبير، وبمستقبل البلاد، بل أيضا بمسألة ضمان حقوق المرأة. لذلك يتعين الخروج من ازدواجية الخطاب، ولنكن واضحين في بعض النقاط، ولتكن لدينا الشجاعة لاتخاذ المواقف التي تغير التاريخ. فمن بين الأسباب التي عجلت بالعديد من المناضلات نحو ترك أحزابهن السياسية، والتركيز على المرأة هو هذه الإشكالية. فالأحزاب السياسية تقول أن لديها القيود الانتخابية، لذلك فمن فلكي لا تفقد أصواتها الانتخابية،  تقع في الشعبوية . فليست هذه هي الطريقة التي سوف نغير بها المجتمع، إذ لا يجب الرهان على المدى القصير، وترك الفئات الاجتماعية مع خبزها اليومي والقتال من أجل البقاء.. ولكن الأحزاب السياسية لديها قيود وتروج لخطاب مؤداه، أن المجتمع، ليس ناضجا بما فيه الكفاية لهذا النوع من الإصلاح، وأن التقاليد لازالت متجذرة بقوة في المجتمع، ما رأيك؟ العسولي: ولكن ما هو دور الأحزاب السياسية؟ وما هو دور الدولة؟ دورها هو تغيير العقليات، ونحن نعلم أيضا أن القوانين تؤثر على السلوك. فهذه المعايير هي التي تحكم سلوك المواطنين وتوجههم. وحينما تصير هذه المعايير معايير تمييزية، فكيف يمكننا تغيير سلوك الأفراد؟ فأنا أعود لما قبل إصلاح مدونة الأسرة، حيث كانت هناك أشياء كثيرة ترتبط بما يسمى  » المقدس »، وهي الأشياء التي تم قبولها اليوم من قبل المجتمع. مثلا؟ العسولي : مثال حق المرأة في الطلاق وحقها في سن عقد الزواج لوحدها.  فاليوم أمكن لأكثر من ثلث المغربيات عقد عقود زواجهن دونما حاجة لتفويض ذلك لشخص آخر. ولكن قبل الإصلاح، كان ذلك يدخل ضمن نطاق المقدس، وهناك مثال آخر، وهو تحديد سن الزواج في 18 سنة، وهو أمر جيد سواء بالنسبة للذكور أو الإناث. …لكن أحيانا هناك نوع من « التنافر » بين الواقع والنصوص كما أظهرت لنا مثلا قضية أمينة الفيلالي؟ العسولي: أعتقد أنه إضافة إلى اعتماد معايير جديدة، يجب أيضا تثقيف الناس من أجل تغيير العقليات، فنحن نشاهد ما يحدث حاليا في تونس، فالحبيب بورقيبة كانت له الشجاعة الكافية لإصدار قانون للأسرة، اعتبر ثوريا في عهده، واليوم وبعد وصول الإسلاميين للحكم في هذا البلد، لم يتمكنوا من تغييره، رغم أنهم حاولوا ذلك، بفضل المعارضة التي أبداها الشعب التونسي، ولهذا السبب فالدولة يمكن أن تلعب دورا محوريا. ثمة مثال آخر يتعلق  بتنظيم الأسرة، والذي اعترض عليه أيضا الإسلاميون، بدعوى أن الهدف من الزواج هو تكثير النسل من المسلمين. إن هذا التأكيد كان صالحا خلال السنوات الأولى للإسلام، حيث كان المسلمين في أتون الحروب والمعارك، وكانوا يشكلون أقلية، أما الآن فقد تم تجاوز هذه الوضعية، ومواصلة التركيز عليها يهدد بتقويض  أسس المجتمع. فخلال فترات قصيرة من الزمن مر المغرب بمعدل مواليد من 2.26 إلى 7 أطفال، وبفضل الحملات الإعلامية والتحسيسية الداعية لتنظيم النسل والأسرة، انخفض معدل المواليد والخصوبة. ويبقى القول أن المجتمع لا يقبل هذا النوع من الإصلاح، فالبنيات تغير الدولة، وأكررها مرة أخرى، الدولة بمثابة رافعة، حيث يتعين على النخب والأحزاب السياسية، أن تتحمل أيضا مسؤوليتها ودورها، وألا تركز فقط على المحافظة والتزمت… ينص الفصل 19 من القانون على إحداث هيئة  للمساواة ومكافحة كل أشكال التمييز، وبعد  أكثر من عامين على تشكيل حكومة بنكيران، لم يتم بعد تشكيل  هذه الهيئة، فلم يعزى هذا التأخير؟ العسولي: بالفعل إن هذه المادة تضمن حقوق المرأة والمساواة والتكافؤ بين المرأة والرجل، بل وأسست لآلية، أو هيئة مؤسساتية مستقلة وهي « هيئة المساواة و مكافحة جميع أشكال التمييز ». فمن المفترض أن تقوم هذه الهيئة بمتابعة السياسات، وضمان حماية وتعزيز حقوق المرأة، وهذا هو أكبر مؤاخذتنا على هذه الحكومة. للأسف لا يوجد حتى الآن مشروع قانون في شأن هذه الهيئة، في حين سبق وأن وجهنا الدعوة للحكومة والبرلمان في هذا الإطار. وقد قدم  « الربيع النسائي للديمقراطية والمساواة » مذكرة شاملة تتضمن توصيات بخصوص هذه الهيئة : إطارها المرجعي،  وأهدافها ومكوناتها، لكن للأسف لحد الساعة لم يتم القيام بأي شيء. هل تشعرون بنوع من التلكؤ من جانب الحكومة في هذا الصدد؟ العسولي: إن إنشاء هذه الهيئة يجب أن يحظى بالأولوية. وقد وضعت هذه الحكومة خلال سنتين من عمرها العديد من السياسات العامة، لكنها لم تؤسس لهذه الآلية، في حين أن هذه الأخيرة لها دور كبير  في المراقبة وتتبع السياسات العمومية، وتقديم التوصيات والمقترحات وإجراء الدراسات، وهذا من شأنه أن يثري عمل الحكومة، وفي الوقت نفسه كان سيسمح للهيئة بحماية حقوق المرأة، وتعزيزها، والمضي قدما في اتجاه تنزيل مقتضيات المادة 19 من الدستور. أما على المستوى التشريعي، فهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز ضد المرأة قد رأت النور السنة الماضية، حيث تم تشكيل لجنة برئاسة رحمة بورقية من طرف الوزيرة بسيمة الحقاوي، بهدف إعداد مشروع القانون، أخدا بعين الاعتبار كل المقترحات التي تقدمتها بها جمعيات المجتمع المدني، ونعلم أيضا أن اللجنة قدمت خلاصات أشغالها قبل ستة أشهر، وهنا نتساءل لمادا لازالت الحكومة تتلكأ بهذا الخصوص؟ والنقطة التي أود أن أشير إليها أيضا في هذا الإطار هي أن المجلس الحكومي، صادق في شهر أبريل من عام 2013 على مشروع قانون المتمم للبرتوكول الاختياري المتعلق بالمعاهدة الدولية، لمكافحة كل أشكال التمييز ضد المرأة، لكن لماذا لم يتم تقديمها للبرلمان لحد الساعة؟ نعلم جيدا أن المغرب رفع تحفظاته بما يتناسب مع هذه الاتفاقية، ومع الدستور الجديد، كما نعلم أيضا أن الحكومة قد تبنت مشروع قانون بهذا الخصوص، لكن لماذا لم يجرؤ هذا الأخير على تخطي عتبة البرلمان لحد الساعة؟ إن هذه الأمثلة تبين أنه ليست هناك إرادة سياسية من طرف الحكومة وأن التيار المحافظ لازال يمسك بزمام الأمور.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة