هل استوعب حزب "العدالة والتنمية" الدرس ؟

هل استوعب حزب « العدالة والتنمية » الدرس ؟

  • أحمد عصيد
  • كتب يوم الأربعاء 11 يناير 2017 م على الساعة 18:51
معلومات عن الصورة : أحمد عصيد

خلافا لما يعتقده كثيرون من الذين تبنوا خطاب المظلومية في قراءة وضعية « حزب المصباح » في الضائقة الحالية التي يجتازها (وهم في معظمهم من أتباع الحزب ومشايعيه) يتحمل الحزب المذكور بنسبة كبيرة ما آل إليه أمره بعد نجاح انتخابي كبير، لم يعط ما كان مرتقبا من ترأس الحزب لولاية حكومية ثانية، رغم تعيين الملك محمد السادس للأمين العام للحزب المذكور رئيسا للحكومة.

لا يعود خطأ الحزب إلى أمر طارئ أو سياق عابر، أو إلى عوامل غير منتظرة، بل يعود إلى خاصية ثابتة ترتبط بجوهره بوصفه حزبا إسلاميا ينتمي إلى التيار « الإخواني » العالمي، وبمفهومه الخاص للديمقراطية، الذي انقلب عليه كما انقلب على من قبله في مصر تونس.

يشعر « البيجيديون » بالضجر والحسرة بسبب ما ينعتونه بـ »التحكم »، فرغم حصولهم على الأغلبية الانتخابية لا يستطيعون استعمالها في أي شيء يحقق لهم نجاحا سياسيا بعد النجاح الانتخابي. فرغم أن السيد بنكيران يحسن الحساب ويعلم أن 125 أكبر من 37 كما قال في إحدى تصريحاته، إلا أنه يبدو عاجزا عن البرهنة عن ذلك عمليا في تشكيل الحكومة، والحقيقة أن الرجل قد أخطا التقدير حين اعتقد بأن السياسة تسير وفق قواعد الحساب والرياضيات، ذلك أن هذه العلوم ينتهي فيها الجميع إلى نفس النتيجة، عكس ما يحدث في السياسة.

معضلة « حزب المصباح » أنه وقع في نفس ما وقع فيه محمد مرسي و »الإخوان » المصريون، ونفس الخطأ الذي وقع فيه « حزب النهضة » التونسي، أنه اعتبر الديمقراطية آلية فقط لفرز أغلبية تتولى تدبير الشأن العام في غياب تعاقد حاسم يحمي الجميع من الجميع، في الوقت الذي تعتبر فيه الديمقراطية في حقيقتها قيما وأسسا لا يمكن تجزيئها في بناء ذلك التعاقد المطلوب، وهي قيم وأسس كونية تلزم الجميع حاكمين ومحكومين، أغلبية وأقلية، كما أنها قيم وأسس ما أن يتمّ المسّ بها أو تجاهلها كما تفعل السلطات أو كما يفعل الإسلاميون حتى تفقد العملية الانتخابية قيمتها ومعناها، بل وتؤدي إلى نتائج عكسية تماما، لأنها تؤدي في هذه الحالة إلى عكس النتائج المرتقبة بعد عملية التصويت.

ويفسر هذا لماذا لم تستقر الأوضاع بعد انتخابات منظمة في عدد كبير من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كما يفسر بشكل دقيق قصة النازية والفاشية في منتصف القرن الماضي.

يقول « البيجيديون » إن هناك مراكز نفوذ في الدولة تعرقل الانتقال نحو الديمقراطية وتعمل على تبخيس حزب العدالة والتنمية رغم حصوله على الأغلبية، ولكن الحزب ينسى بأنه هو نفسه ساهم في ترسيخ هذه الوضعية عندما وقع في أخطاء قاتلة، فلم يفهم بأنّ الأغلبية التي يحصل عليها هي مجرد « أكبر الأقليات »، أي أغلبية نسبية لا يمثل بها إلا نسبة ضئيلة من المصوتين عليه، لأن ما حصلت عليه الأحزاب الأخرى مجتمعة يظل أغلبية كبيرة مؤثرة في التوازنات الداخلية، في مواجهة الحزب الأغلبي الذي قد يصبح معزولا تماما ولا تفيده أغلبيته العددية الضئيلة، وهو ما حدث الآن مع « البيان الرباعي ».

إن المفهوم الإسلاموي للديمقراطية القائل إنها مجرد آلية انتخابية ينبغي تجريدها من قيمها الفلسفية التي تعتبر « غربية »، هو الذي جعل « حزب المصباح » اليوم غير محمي من الاستبداد. فهو يريد التأسيس لديكتاتورية الأغلبية العددية، كما فعل مرسي تماما، معتقدا أنه بحكم حصوله على المرتبة الأولى يحق له فرض إرادته وشروطه على جميع الفرقاء والحلفاء في الحكومة وإرغامهم على الدخول بدون شروط تحت رايته، معتبرا شروط الأحزاب الأخرى « ابتزازا »، وهو منظور قاصر، لأنه ينتهي إلى عزل التنظيم وإضعافه عكس ما يعتقد.

فقواعد اللعبة التي ساهم « البيجيدي » في إرسائها سنة 2011، لم تكن ديمقراطية تماما، ولهذا لا بد أن يخضع في النهاية لإكراهاتها.

لست أدري إن كان الحزب الإسلامي قد استوعب الدرس أم لا، لكن يبدو أنه سيكون ملزما بإعادة النظر في مفهومه للديمقراطية، واعتبارها قبل صناديق الاقتراع كلا غير قابل للتجزيء، أي قيما تترسخ من خلال احترام الحريات وحقوق الإنسان وفصل السلط والمساواة التامة بين الجنسين، وسمو القانون فوق الجميع واعتباره إطارا تعاقديا قابلا للمراجعة الدائمة وفق مصالح الإنسان الأرضية، وإخضاع شؤون تدبير الحياة العامة للحوار والنقاش ولمنطق التدبير النسبي.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة